**قطط تعوي وكلاب تموء: رحلة إلى عالم الفوضى والواقع المتشابك**
في خضم الفوضى الحضرية المتزايدة، والتغيرات
المجتمعية المتسارعة، تبرز أعمال أدبية تعكس هذا الواقع المركب ببراعة فائقة. رواية
"قطط تعوي وكلاب تموء" ليست مجرد سرد قصصي، بل هي مرآة تعكس صراعات الإنسان
المعاصر، وتفاعله مع بيئة تتسم بالغرابة واللامنطقية أحيانًا. تأخذنا هذه المجموعة
القصصية في رحلة عميقة إلى مدينة تُشبه الغابة، حيث تتداخل أصوات الحيوانات - من
قطط تعوي وكلاب تموء وقرود تتقافز - مع ضجيج الحياة اليومية، لتخلق لوحة فنية
سوريالية تجعل القارئ يتساءل عن حدود الواقع والخيال.
![]() |
**قطط تعوي وكلاب تموء: رحلة إلى عالم الفوضى والواقع المتشابك** |
**الغلاف كبوابة للعالم السوريالي**
يبدأ الكاتب رحلته مع القارئ من خلال غلاف الرواية نفسه، والذي يحمل اقتباسًا يمهد الطريق للعالم الذي سيغوص فيه. يُروى فيه مشهد صادم: "في أثناء مروري بشارع رمسيس، ظهر إلى جواري قرد ضخم، قرد حقيقي بشعر كثيف وجسد ذي انحناءة مميزة ومؤخرة حمراء، قرد كتلك التي تشاهدها في الأفلام، فأنا لم أرَ قردًا حقيقيًا منذ أكثر من عشرين عامًا عندما زرت حديقة الحيوان لآخر مرة قبل أن يغلقوها ويحرروا الحيوانات مطلقين سراحها بالشوارع."
- هذا الاقتباس ليس مجرد وصف لمشهد غريب، بل هو إعلان عن تحطم الحواجز بين ما هو مألوف
- وما هو غير متوقع. يشير تحرير الحيوانات من حدائق الحيوان إلى انهيار نظام، وتحول المدينة إلى
- بيئة بدائية تحكمها قوانين مختلفة. هنا، يصبح وجود القرد الضخم ليس مجرد حادثة فردية، بل رمزًا
- لتحول أوسع نطاقًا.
يتعمق الاقتباس أكثر في إظهار عزلة الراوي عن محيطه: "قفز القرد عاليًا ليلمس كتفي بيده المشعرة منبهًا إياي إلى وجوده، لم يكن محتاجًا لفعل ذلك فوجوده كان لافتًا بما يكفي، ولكنه بدا لافتًا لي وحدي دون المارة المجاورين." هذا الجزء يكشف عن انفصال الراوي عن الواقع المشترك؛ ما يراه هو، لا يراه الآخرون. هذه الفجوة في الإدراك هي جوهر الرواية، وتطرح تساؤلات حول طبيعة الحقيقة وإمكانية وجود واقع متعدد.
هل المارة لا يرون القرد، أم أنهم اعتادوا على هذه المشاهد الغريبة لدرجة أنها لم تعد تثير انتباههم؟ هذا الغموض هو أحد أبرز مقومات العمل.
وينتهي الاقتباس بجملة ذات دلالة عميقة: "كنت
قد قرأت في الصباح خبرًا عن هروب عدد من القردة من إحدى كليات الطب البيطري، ضحكت
ولم أهتم، كل الأخبار صارت تثير ضحكي دون اهتمامي." هذه الجملة ليست مجرد
تعليق عابر؛ إنها تعكس حالة من اللامبالاة العامة أو الإعياء من كثرة الأحداث
الغريبة، وهي شعور شائع في المجتمعات التي تشهد تحولات جذرية. الضحك دون اهتمام
يشير إلى فقدان القدرة على التفاجؤ أو حتى على المبالاة، وهي حالة خطيرة تدل على
تآكل الحس النقدي والتفاعل مع الواقع.
**المدينة كغابة استعارة لواقع قاسٍ**
تصف المجموعة القصصية مدينة "تشبه الغابة"،
وهي استعارة قوية وفعالة لتوصيل فكرة الفوضى والوحشية الكامنة تحت السطح الحضري. في
هذه المدينة، ليست الحيوانات هي فقط من تعيش حياة بدائية، بل البشر أيضًا، أو هكذا
يبدو من سلوكياتهم وتفاعلاتهم. "قرود تتقافز في طرقاته، وقطط تغزو شوارعه،
أسود وكلاب هنا وهناك" - هذه الصورة ليست مجرد إضافة زخرفية، بل هي تجسيد
لحالة من العشوائية وفقدان السيطرة.
- الاستعارة هنا تتجاوز مجرد وصف المشاهد؛ إنها تتغلغل في النسيج الاجتماعي للمدينة. الحيوانات
- المتوحشة أو المدجنة التي تتصرف خارج بيئاتها الطبيعية تمثل رمزًا للخروج عن المألوف، وربما
- لتجريد البشرية من قيمها وحضارتها. تصبح الشوارع ساحة للصراع من أجل البقاء، حيث يتشابه
- سلوك الإنسان مع
سلوك الحيوان في سعيه الدائم نحو التفوق أو النجاة.
**الراوي التائه بين الواقع والحلم**
في قلب هذا العالم المضطرب، يقف الراوي "تائهًا
وسط كل هذا، لا يكاد يميز الواقع من الحلم، أو الحقيقة من الكابوس." هذه
الجملة تلخص المعاناة الوجودية التي يواجهها البطل. في بيئة حيث كل شيء "متداخل
ومربك"، يصبح الإحساس بالذات والواقع هشًا. هذا التداخل بين الواقع والحلم هو
سمة مميزة للأدب السريالي، حيث تتلاشى الحدود وتصبح التجربة الداخلية للبطل هي
المحور الأساسي.
- الراوي، بصفته شاهدًا ومشاركًا في آن واحد، يحاول فهم ما يحدث حوله. هذا السعي للفهم هو دافعه
- الأساسي، وربما دافع الكاتب نفسه. في وجه الفوضى، يمثل الفعل الكتابي محاولة لإعادة ترتيب
- العالم، لوضع النقاط على الحروف، حتى لو كانت الحروف تتراقص أمام عينيه. إنها محاولة لتشكيل
- معنى من
اللامعنى، لإيجاد نظام داخل الفوضى.
**الكتابة كملاذ وفهم**
"وسط كل هذا الصخب، يغلق الكاتب باب حجرته
ويمسك بقلمه ليسرد ويصف ما يحدث حوله على أمل فهم هذا العالم وإدراك متغيراته."
هذه الصورة النهائية للكاتب وهو يمسك بقلمه تعيدنا إلى دور الأدب والفن في مواجهة
الفوضى. في عالم أصبح فيه التمييز بين الحقيقة والخيال أمرًا صعبًا، تصبح الكتابة
هي الأداة الوحيدة لفك شيفرات هذا العالم.
- الكتابة هنا ليست مجرد تسجيل للأحداث، بل هي عملية تأمل وتحليل. إنها محاولة لإضفاء معنى على
- الفوضى، وإيجاد تفسير للمتغيرات السريعة وغير المنطقية. بالنسبة للراوي، والقارئ، والكاتب نفسه
- تصبح الكتابة ملاذًا من الصخب الخارجي، ومساحة للتفكير والتأمل. إنها فعل مقاومة ضد الاستسلام
- لليأس واللامبالاة.
**التحليل النفسي والاجتماعي**
يمكن قراءة "قطط تعوي وكلاب تموء" على
أنها استكشاف عميق للحالة النفسية والاجتماعية في زمن الأزمات. تعوي القطط وتتداخل
أصواتها مع نباح الكلاب، في إشارة إلى اختلاط الأدوار وتداخل الهويات. القطط، التي
عادة ما ترتبط بالهدوء واللطف، تصبح عاوية، والكلاب، التي غالبًا ما ترتبط
بالوفاء، تموء. هذا التغيير في الأصوات يعكس تحولًا في طبيعة الكائنات، وربما في
طبيعة البشر أنفسهم.
- على الصعيد الاجتماعي، يمكن أن تمثل الحيوانات المحررة الفئات المهمشة أو التي خرجت عن
- السيطرة الاجتماعية، أو ربما تعبر عن غريزة الإنسان البدائية التي تظهر في أوقات الشدة. المدينة
- التي تتحول إلى غابة هي
رمز للمجتمع الذي فقد ترابطه وقيمه، حيث يسود قانون الأقوى أو الأدهى.
اللامبالاة التي يعبر عنها الراوي تجاه الأخبار
الغريبة، وتحديدًا تجاه هروب القردة، هي انعكاس لحالة من التبلد العاطفي الذي قد
يصيب الأفراد في المجتمعات التي تعاني من ضغوط مستمرة. عندما يصبح كل شيء غريبًا،
لا يعود شيء غريبًا، وتفقد الأحداث قدرتها على إثارة الدهشة أو الاهتمام.
**الرمزية في عنوان الرواية**
عنوان "قطط تعوي وكلاب تموء" هو بحد
ذاته لغز ورمزية عميقة. الأصوات غير المألوفة للقطط والكلاب تشير إلى قلب
الموازين، وكسر التوقعات. إنها دعوة للتفكير خارج الصندوق، وعدم الاكتفاء
بالمسلمات. هل هي دعوة لإعادة تعريف ما نعتبره طبيعيًا؟ أم أنها إشارة إلى أن العالم
قد بلغ مرحلة من الفوضى لا يمكن فيها التمييز بين المنطقي وغير المنطقي؟
- هذا العنوان يلخص جوهر المجموعة القصصية: عالم يتحدى المفاهيم التقليدية، ويجبرنا على إعادة
- تقييم ما نعرفه عن النظام والفوضى، عن الإنسان والحيوان، وعن الواقع والخيال. إنها دعوة
- لاستكشاف المناطق الرمادية،
والفهم أن الحياة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا وتداخلًا مما نتصور.
**فى الختام**
"قطط تعوي وكلاب تموء" ليست مجرد مجموعة قصصية للقراءة والترفيه، بل هي دعوة للتأمل في واقعنا المعاصر. إنها عمل أدبي يجبرنا على مواجهة أسئلة صعبة حول هويتنا، حول طبيعة المدن التي نعيش فيها، وحول كيفية تعاملنا مع الفوضى والغرابة. من خلال عدسة الراوي التائه، يقدم لنا الكاتب رؤية عميقة لعالم يتغير بسرعة، ويختلط فيه الحلم بالكابوس، والواقع بالسوريالية.
في النهاية، يبقى القلم هو الأمل الوحيد لإدراك المتغيرات، وفهم
العالم الذي نعيش فيه، حتى لو كانت قططه تعوي وكلابه تموء. هذه الرواية هي شهادة
على قوة الأدب في استكشاف أعمق زوايا التجربة الإنسانية، وتقديم نافذة على العوالم
الخفية التي غالبًا ما نتجاهلها في حياتنا اليومية.